الاقتصاد الأمريكي ينقسم على شكل "K": ازدهار للأغنياء ومعاناة للطبقات الدنيا ⚖️

يعيش الاقتصاد الأمريكي حالة انقسام حاد باتت تُعرف في الأوساط المالية باسم "الاقتصاد على شكل K" (K-Shaped Economy) , حيث تتجه ذراع من الحرف نحو الأعلى تمثل الشركات الكبرى وأصحاب الدخل المرتفع الذين يزدادون ثراءً، فيما تتجه الأخرى نحو الأسفل تمثل الأسر محدودة الدخل والمشاريع الصغيرة التي تغرق تحت ضغط المعيشة.
الاختلاف الصارخ في الأداء الاقتصادي يثير قلق مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي خفّض أسعار الفائدة مرتين هذا العام. لكن رئيسه جيروم باول قال عقب اجتماع 29 أكتوبر إن "خفضًا إضافيًا في ديسمبر ليس أمرًا محسومًا إطلاقًا"، مشيرًا إلى استمرار المخاوف بشأن التضخم، التوظيف، وارتفاع حالات التعثّر في القروض ذات المخاطر العالية.
وأضاف باول:
"عندما تستمع لتقارير الشركات الكبرى، ترى بوضوح أن المستهلكين في الطبقات الدنيا يعانون ويشترون أقل، بينما في القمة، الإنفاق ما زال قويًا."
هذه الجملة تختصر جوهر الاقتصاد على شكل K.
💰 الطبقة العليا تصعد... والباقون يتراجعون
يشرح كريستيان دي ريتيس، نائب كبير الاقتصاديين في Moody’s Analytics:
"أعلى 10% من الأسر في الولايات المتحدة مسؤولة عن نحو نصف الإنفاق الكلي، ما يعكس ليس فقط فجوة الدخل، بل فجوة الإنفاق أيضًا."
في عام 2019، كانت حصة هؤلاء 44.6% فقط. اليوم، الفجوة تتسع لتشمل أيضًا سوق العمل وسوق الأسهم، إذ تتوسع بعض القطاعات، بينما تقلّص أخرى العمالة.
ويرى دي ريتيس أن جذور الظاهرة تعود إلى برامج التحفيز الضخمة خلال جائحة كورونا، التي وفرت دعمًا للأسر محدودة الدخل مؤقتًا، لكن مع ارتفاع التضخم وتباطؤ نمو الأجور، بدأ ذلك الدعم يتبخر.
أما الطبقة الغنية فقد استفادت من صعود أسعار الأصول، من الأسهم إلى العقارات والعملات الرقمية.
🏦 سوق الأسهم... مرآة التفاوت
الأسهم الأمريكية عند مستويات قياسية، لكنّ الصعود مركّز في القلة. تقرير من أبولو غلوبال مانجمنت (APO) أظهر أن توقعات الأرباح لعام 2026 ارتفعت فقط لـ"السبعة العظام" (Nvidia, Apple, Microsoft, Alphabet, Amazon, Meta, Tesla)، فيما تراجعت لبقية شركات (S&P 500).
حتى على مستوى الشركات، يظهر الانقسام:
فورد (F) قالت إن أرباحها يقودها الطلب على سياراتها الفاخرة Bronco وExpedition، حيث يختار 75% من العملاء الطرازات الأعلى سعرًا.
دلتا (DAL) تزيد أرباحها من المقاعد الفاخرة.
بينما تشيبوتلي (CMG) خفضت توقعاتها للمرة الثالثة بسبب تراجع الإقبال من العملاء ذوي الدخل المحدود.
🧠 نظرة مركّب: سوق الأسهم أصبح انعكاسًا مصغّرًا للاقتصاد الأمريكي , الأرباح في القمة، والانكماش في القاعدة.
🍞 الفقر الخفي: من “اشتر الآن وادفع لاحقًا” إلى طوابير الغذاء
الخبير الاقتصادي السابق في الاحتياطي الفيدرالي أنطوني تشان يصف الظاهرة بأنها "النسخة الحديثة من عدم المساواة":
"انظر فقط إلى بنوك الطعام. الأعداد تتزايد لأن الناس ببساطة لا يستطيعون مجاراة الأسعار."
كما يشير إلى صعود ثقافة الشراء الآن والدفع لاحقًا (BNPL) حتى لشراء البقالة، وهي علامة واضحة على الضغط المالي لدى الطبقات الدنيا.
📉 هل يقود الانقسام إلى ركود؟
رغم هذه المؤشرات، لا يتوقع تشان ركودًا قريبًا، مستشهدًا بتقديرات الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا التي تشير إلى نمو اقتصادي 4% في الربع الثالث بعد 3.8% في الثاني.
"لم أرَ في حياتي ركودًا بنمو يبلغ ضعف المعدل المحتمل!"
لكن دي ريتيس يحذر من مخاطر المبالغة في رهانات الذكاء الاصطناعي (AI)، قائلًا إن التقييمات الحالية "قد لا تصمد أمام الواقع" وأن تصحيحًا في سوق الأسهم "أمر محتمل جدًا".
"إذا حدثت انتكاسة في قطاع الذكاء الاصطناعي، فسيكون ذلك كافيًا لجرّ الاقتصاد إلى ركود فعلي."
🔍 خلاصة مركّب: اقتصاد ذو سرعتين , وقنبلة زمنية اجتماعية
الاقتصاد الأمريكي اليوم لا يتحرك ككتلة واحدة، بل كحرف “K”:
- القمة تسير بسرعة الضوء، تغذيها شركات التكنولوجيا الكبرى والأثرياء.
- القاعدة تتآكل تحت وطأة التضخم، القروض، وتراجع الأجور.
ومع استمرار الانقسام بين “اقتصاد الأغنياء” و”اقتصاد الباقين”، يواجه الاحتياطي الفيدرالي معضلة القرن: كيف يدير اقتصادًا يزدهر في الأعلى بينما يتعثر في الأسفل؟
🔮 نظرة مستقبلية: ما لم تُعالج فجوة الدخل بسياسات ضريبية ومالية أكثر عدلًا، سيظل الاقتصاد الأمريكي على شكل “K” , يسير نصفه بسرعة، ويجرّ النصف الآخر خلفه نحو الركود.